يتداول زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار ضمن نطاق ضيق نسبيًا بين 1.3460 و1.3530، متفاعلًا بشكل اندفاعي مع تدفق الأخبار الحالي. ولم تُغيّر البيانات الصادرة بشأن نمو اقتصاد المملكة المتحدة من الوضع الراهن، إذ لا يزال الجنيه الإسترليني يتحرك داخل النطاق السعري المحدد، في انعكاس لحالة التردد لدى كلٍّ من مشترِي وبائعي زوج GBP/USD.
وعند النظر إلى الآفاق المستقبلية، تجدر الإشارة إلى أن الاقتصاد البريطاني واصل النمو في الربع الثاني، إلا أن وتيرة هذا النمو تباطأت بشكل ملحوظ، فيما لا تزال بنية النمو غير متوازنة إلى حد بعيد. فما زال قطاع الخدمات يشكل الدعامة الرئيسية، في حين يشهد القطاع الصناعي ككل حالة من الركود، وتكاد أنشطة التشييد والبناء تتوقف (بعد بداية قوية للعام)، ولا يزال القطاع الخارجي يمثل "حلقة الضعف".
إذًا، وفقًا للبيانات الصادرة، نما الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة بنسبة 0.4% على أساس فصلي في الربع الثاني، بعد ارتفاع قدره 0.6% في فترة التقرير السابقة. وعلى أساس سنوي، نما اقتصاد البلاد بنسبة 1.2%. كما ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد أيضًا بنسبة 0.4% خلال الربع وبنسبة 1.0% على أساس سنوي.
بعبارة أخرى، لا توجد أسس للحديث عن ركود أو (وبدرجة أكبر) عن انكماش في الاقتصاد البريطاني. بل إن الربع الثاني من العام الجاري أصبح الربع الثلاثي السابع على التوالي من النمو. لكن من ناحية أخرى، يتضح أن ديناميكيات النمو تفقد الزخم. لننظر إلى الأرقام: +0.8% خلال الأشهر الثلاثة حتى أبريل، و0.6% حتى مايو، و0.4% حتى يونيو.
وفي الوقت نفسه، نما الاقتصاد البريطاني في يونيو نفسه بنسبة 0.3% على أساس شهري، بعد نمو صفري في مايو وتراجع قدره 0.1% في أبريل. وهكذا، انتهى الربع الثاني بتسارع، في حين كان معظم المحللين يتوقعون نتيجة صفرية، كما في الشهر السابق.
تُظهر بنية التقرير الشهري أن قطاع الخدمات نما بنسبة 0.4%، بينما تراجع الإنتاج بنسبة 0.2% وقطاع البناء بنسبة 0.1%. وكما نرى، كان أداء يونيو معتمدًا فعليًا مرة أخرى على الخدمات. في الجوهر، بات هذا يشكل سِمة مميزة للاقتصاد البريطاني: فالقطاع الخارجي والقطاع الصناعي يبدوان أضعف بكثير من قطاع الخدمات المحلي.
وبالعودة إلى البيانات الفصلية، هناك نقطة مثيرة للاهتمام، وهي أن حالة الركود الصناعي المسجلة لا تعني غيابًا كاملًا للزخم في قطاع التصنيع. على العكس، حقق قطاع التصنيع نتيجة فصلية لا بأس بها. المشكلة أن هذا النمو «تلتهمه» قطاعات الطاقة والمرافق. في الوقت نفسه، نما قطاع الصناعات الاستخراجية بنسبة 5.1%، وهو ما عوّض جزئيًا تراجع المكونات الأخرى.
بعبارة أخرى، لا يُعَدّ القطاع الصناعي بالفعل مصدر تسارع للاقتصاد البريطاني، لكنه في الوقت ذاته لا يزال من المبكر الحديث عن تراجع صناعي عميق.
على هذه الخلفية، يبدو قطاع البناء أضعف بشكل ملحوظ، مع ديناميكيات أقل استقرارًا بكثير. فعلى سبيل المثال، تراجع البناء في يونيو بنسبة 0.3%. وسُجِّل أكبر انخفاض في قطاع البناء الجديد للمرافق العامة (-11%). كانت هذه النتيجة الأسوأ في قطاع الإسكان، متجاوزة بكثير حجم الانكماش في قطاع البناء الخاص. ومن بين الأسباب، الانخفاض الحاد (بنسبة تصل إلى 75%) في المشروعات العامة والمشروعات المجتمعية الجديدة (بما في ذلك البنية التحتية المحلية). كما تراجع عدد العقود العامة الموقعة بنسبة 64%.
ونتيجة لذلك، فإن قطاع البناء، الذي كان أحد محركات التعافي في بداية العام، كان بحلول نهاية الربع الثاني قد كاد يتوقف عن دعم الاقتصاد.
كما ذُكر أعلاه، لا يزال قطاع الخدمات المحرك الرئيسي للاقتصاد البريطاني. فقد وفّر هذا القطاع الجزء الأكبر من الزيادة الفصلية في الناتج المحلي الإجمالي. وتوزع النمو بشكل واسع نسبيًا؛ ففي غضون ثلاثة أشهر، سُجِّلت ديناميكيات إيجابية في 10 من 14 قطاعًا فرعيًا. من بينها أظهر قطاع خدمات المعلومات والاتصالات (وخاصة تطوير البرمجيات)، والأنشطة المهنية والعلمية والتقنية، بالإضافة إلى النقل والتخزين، أقوى ديناميكيات.
بصورة عامة، إذا جمعنا كل «الإيجابيات» و«السلبيات»، فإن التقرير الذي نُشر يوم الخميس يحتوي على عناصر مشجعة وأخرى مقلقة في آن واحد. فمن ناحية، ينمو الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة للربع الثاني على التوالي، وكانت نتيجة يونيو قوية نسبيًا. كما ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد، ويواصل قطاع الخدمات التوسع بثقة. ومن ناحية أخرى، تباطأ النمو الاقتصادي الفصلي، ويعاني القطاع الصناعي ككل من حالة ركود، بينما يزداد ضعف قطاع البناء، ويظل العجز التجاري كبيرًا إلى حدٍّ ملحوظ.
وعليه، من غير المرجح أن يدفع التقرير الأخير بنك إنجلترا إلى تغيير مساره الحالي. فالاقتصاد قوي بما يكفي لعدم الحاجة إلى تحفيز طارئ، لكنه ليس قويًا بما يكفي لجعل البنك المركزي يتخلى عن مزيد من التيسير في السياسة النقدية.
لهذا السبب، تجاهل الجنيه الإسترليني عمليًا صدور البيانات. فبعد تراجع لا يتجاوز 20 نقطة أساس، عادت حركة زوج GBP/USD إلى مستوياتها السابقة في غضون بضع ساعات. وبشكل مجازي، يمكن القول إن الإيجابيات والسلبيات المذكورة أعلاه في التقرير «توازنت» مع بعضها بعضًا، ما دفع متعاملي الزوج إلى تفضيل موقف حذر، في انتظار بيانات مؤشر أسعار المنتجين في الولايات المتحدة (U.S. PPI) والنتائج التالية لمفاوضات المرحلة الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران. وفي مثل هذه الظروف، يبدو – في رأيي – أن من المناسب النظر في تداولات ضمن النطاق المشار إليه سابقًا عند مستوى 1.3460–1.3530.